|
|
|---|---|
المثقفون والأكاديميون بالغرب ومصر القديمة
أنى لأكتم ضحكة ساخرة عندما تصنف كتاباتي على أنها "خارج التيار العام لعلم المصريات". والحقيقة أن هذا "التيار العام " يحكم بواسطة مجموعة من غير المصريين الذين تخلفوا عن العهد الاستعماري. فالدول الغربية المستعمرة نقلت غنائم عدوانها إلى أوروبا. و مازالوا ، حتى الآن ، يعتقدون بأن لهم حق احتكار صياغة تاريخ مستعمراتهم السابقة. فهؤلاء، إذن، ليسوا سوى بقايا تصفية عمال الجرد المكلفين بتسجيل الغنائم التي استولت عليها أوروبا من مصر.
لقد كتب العالم بيكارد في كتابه ( Rebel in the soul: A sacred text of ancient Egypt) :
" أنه لمن الغريب حقا، أن تتعرض لغة بسيطة وحالمة مثل اللغة المصرية القديمة إلى التعتيم و التشويه بواسطة علماء المصريات الذين كانوا السبب الرئيسي في أعاده اكتشافها. فهل من الممكن أن ينقل أحدهم، مهما كان مركزه الأكاديمي ، فحوى هذه اللغة وحكمتها إلى القارئ العصري، وهو شخصيا يعتقد ببدائية هذا المجتمع و تخلفه وعدم قدرته على استخلاص و استنباط الأفكار؟. مثله في ذلك كمثل الجراح الذي يبحث عن روح مريضه بالمشرط ثم يعلن بكل ثقة أن الجنس البشري خالي من الروح. لقد التفت العقلية التحليلية حول البرديات بالمشرط النحوي، فأعلنت انه لا توجد فلسفة في مصر القديمة. وليس غريبا على مثل هذه العقلية أن لا تعتبر رحلة سفينة الشمس إلا مجرد حلم وثنى. أن الموقف أصبح أشبه بأن نولى الماشي أثناء النوم قاضيا علي غير النائمين. "
لقد أصبح علماء المصريات من الأكاديميين يتكسبون من التحقير من شأن المصريين ومعتقداتهم.فالوسط الآن أصبح مليء بالذين لا هم لهم ولا طائل إلا تدمير مصداقية المصريين. و كأنهم ذئاب متنكرين في فراء الماشية. ولا يوجد مثال على هذا أبلغ من الأستاذ ك.أ. كيتشين وهو أستاذ الدراسات اليهودية في أكسفورد، وهمه الوحيد هو أن يحور الحقائق حتى تتناسب مع نصوص الإنجيل. ومع ذلك يعترف به وسط علم المصريات كأحد المراجع الأساسية في علم المصريات. ومثال آخر، العالم الان جريدينر والذي كتب في كتابه(
Egypt of the pharaohs ) يقول " ليس ما يعلن عنه بفخر على انه تاريخ مصر إلا بعض أسبال باليه ومهملة غير ذات قيمة. فكيف لأحد أن يتوقع أن يتعلم من مثله شيئا صحيحا عن بلد مثل مصر. إن هذا الجريدينر و أمثاله يهتمون بمصر فقط كما يهتم المغتصب بامرأة يغتصبها، وكما "يحب" مستغل الأطفال، الطفل.أكاديمي الغرب وعلم الجبر
لقد أتيحت لي الفرصة خلال السنوات الأخيرة أن أطلع عن قرب على حقيقة أكاديمي الغرب و لقد اكتشفت خلال هذه الفترة أنهم من أكثر الناس سطحية وضيقا في الأفق الذي يمكن أن تقابلهم في حياتك. وهذا مثال لتوضيح ما أعني:
لقد وجدت أثناء قراءتي عن بردية "ريهند" (المعروفة باسم "البردية الحسابية" أن أحد الأساتذة قد استشاط غضبا حين نسب أحدهم الفضل في معرفة علم الجبر للفراعنة. و كانت حجته التي أستند عليها دفعة المضاد للفكرة أن الفراعنة لم يعرفوا الجبر بدليل أنهم كانوا يجرون حساباتهم عن طريق " الافتراض الخاطئ" .
ومما لاشك فيه أن حجته المثيرة للضحك هذه غاية في الغباء وعدم الموضوعية. لأن جوهر علم الجبر هو "الافتراض الخاطئ" والذي يليه مجموعة من العمليات الرقمية للتوصل للحل النهائي. فمثلا إذا أردنا توزيع قطعة من الأرض على مجموعة من الأشخاص بناء على نسب معينة، فسوف نبدأ "بالافتراض الخاطئ" بأن الشخص سوف يحصل على "س" من الأرض. إلى أخره
…و على صعيدا آخر، نجد أن هناك من يتقول بأن الفراعنة لم يعرفوا "جدول الضرب"، ونرد على ذلك بأن هذا الجدول ليس بالشيء العبقري، ولكنه علي العكس من ذلك تماما، فهو إهدار للطاقة العقلية البشرية، فلكي يتم استغلال هذه القوة العقلية للحفظ فقط، لهو إهدار سافر لوظيفة العقل الأساسية إلا وهي التفكير والتحليل و الاستنباط.
انه لمن الميؤوس منه أن يقوم هؤلاء الأساتذة محدودي الأفق بتعليم أي شيء ذي نفع حقيقي.
الكتابة التاريخية
إن المطلع على الكتابات التاريخية سوف يجد أن هناك الكثير و الكثير من الآراء المختلفة في شتى المواضيع. بل أننا لا نبالغ إذا قلنا أن عدد الآراء الموجودة يساوى أو على الأقل يقترب من عدد الكتب الموجودة في هذه المادة مما يضع المرء بالتأكيد في موضع تسائل عن أي الآراء يتبع و أيهم يصدق؟. و أنه لمن المؤسف حقا أن تكون معظم هذه الخلافات قابله للحل إذا وضع كل طرف أدلة وحجج الطرف الآخر في حسبانه.
ولكن البعض يصر على أن يخادع نفسه ويهمل كمية ضخمه من المعلومات القيمة والتفسيرات التاريخية الحديثة فقط لأنها تتعارض مع ما تعلمه ومع ما كان دائما يؤمن به. بل ويطلقون على المنادين بأفكار جديدة "المحدثين" أو "الثوريين" . إن رفضهم الاستماع لوجهات النظر الأخرى لهى علامة واضحة الدلالة على ضعف موقفهم وليس قوته.
إن المصدر الرئيسي و الأكبر في العالم للكتب التاريخية هو الأوروبيين وخلفائهم في القارات المختلفة. فبوصفهم القوى الكبرى في العالم خلال العهد الاستعماري والذي بدأ قبل خمسمائة عام من الآن، أصبح نشر المعرفة في أيديهم وحدهم بما في ذلك المعرفة التاريخية بالطبع.
وبانتهاء هذا العهد كثر تشكيك الناس في كل ما تعلموه في خلال هذا العهد، مما جعل هؤلاء من الذين يريدون البقاء في مركز التفوق على الآخرين ، يشعرون بعدم الاستقرار فصاغوا كلمة "ثوري" أو "محدث" لمحاربة من يجرأ على مخالفتهم ونعتوا التفسيرات التاريخية الجديدة بأنها مجرد لوى لأعناق الحقائق و اتهموها بأنها لا تعدوا إلا أن تكون مجرد قصص خاصة بالكاتب ومن اختلاقه الشخصي.
فكيف يمكن لنا إذا أن نحدد أي كاتبا نصدق وأيهم نرفض؟ وهل يجب علينا أن نقرأ فقط للكتاب المتوافقين معنا في آرائنا ونتجاهل الآخرين ونقاطعهم؟
الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لم تكون صعبة إذا اتخذنا موقف المحلفين في قاعة القضاء بلا انحياز لأيا من الطرفين. وبهذا فسوف يمكننا تحديد مصداقية بعض الكتب من البعض الأخر. فإذا تبيينا وجهة نظر موضوعية لوجدنا أن لا أحد منا قد عاصر هذا التاريخ وعاش في مصر في العصور القديمة(متجنبين الحديث عن أعاده البعث الآن) وبالتالي فنحن لا نعرف حقائق هذا العصر على وجه الدقة. بالضبط مثل موقف القاضي و هيئة المحلفين في أي قضية معروضة عليهم، فهم يحكمون بناء في وقائع لم يكن أحدا منهم قد حضرها أو شاهدها.
فكل من الأطراف المتنازعة يقدم دلائله على صحة كلامة طبقا لقانون الإثبات، والذي ينص على:
و بالتالي لا يكون معنى أن تكون لست من المتخصصين في مجال معين أن تقبل آراء "المتخصصين" الآخرين وتسلم بها. فقط أجعل الحيادية التامة والمنطق يقودانك في خلال إطلاعك على الآراء المختلفة، ولتضع دائما كلمات سير ويليام أوستر نصب عينيك فقد قال: "كلما كثر الجهل كثر الجزم بالآراء من غير مبرر".
فعلينا جميعا إذا أن ندقق كتب التاريخ بموضوعية و حيادية و أن لا ينخدع أحدنا أو يرهب بعنوان رائع أو أسم مشهور وأن نلتزم فقط بالحقائق و الأدلة.
فيجب أن نأخذ العبرة من قصة الإمبراطور العاري، فبالرغم من كل ما قاله "الرجال الحكماء" عن ملابسة الوهمية إلا انه كان في الحقيقة عاري. ويجب أن لا نسمح لهؤلاء الأكاديميين أن يقودونا ونحن عمي. وكذلك يجب علينا أن نرفض تكتيكات الأكاديميين الاستبعادية للحقائق، وأن نصر على أن يثبتوا ما يدعون ولا نكتفي فقط باعتمادهم على ما سبق وأثبتوه ووافقه عليه.
إن الأكاديمية الغربية لتجعل الجزء (أوروبا) يحرك الكل (العالم)، و كأن تاريخ أوروبا يملى تاريخ مستعمراتها السابقة.
مصطفى جاد الله
ما الصفحة العربية هذه
إلا نسخة مختصرة من الصفحة المكتوبة
باللغة الإنجليزية، وعنوانها: http://www.egypt-tehuti.org/arabic.
وهناك نسخ أخرى يمكن الوصول إليها من
خلال تلك الصفحة الأصلية باللغات
الإنجليزية، والألمانية،
والهولندية، والإيطالية،
والأسبانية.
للاتصال بنا بالإنجليزية أو
العربية، برجاء الاتصال عن طريق
البريد الإلكتروني على عنوان: info@egypt-tehuti.org.